محمد الغزالي

198

فقه السيرة ( الغزالي )

المصطفون الأخيار إنّ المؤمنين الذين صحبوا الأنبياء ، واقتربوا من حياتهم ، أتيح لهم ما لم يتح لغيرهم من منابع الصفاء ، ووسائل الارتقاء . إنّ مشاعرك ترقّ عندما تسمع النغم العذب ، وعواطفك تسمو عندما تقرأ البطولة الرائعة ، بل إنّ الذين يحضرون تمثيل بعض الروايات المثيرة يصبغهم جو القصة المفتعلة ، فيضحكون ويبكون ، ويهدؤون ويضجون . . فما ظنّك بقوم يتبعون رجلا تكلّمه السماء ، ويتفجر من جوانبه الكمال ، ويسكب على من حوله آيات الطهر ؟ فإذا ثقلت نفوسهم عن خير ، دفع بها إلى الأمام ، وإذا علقت بمسالكهم شهوة ، نقّاها فرد عليها سناءها ، إنّ للعظماء إشعاعا يغمر البيئة التي يظهرون فيها ، وكما يقترب المصباح الخامد من المصباح المشتعل فيضيء منه ، تقترب النفوس المعتادة من الفرد الممتاز ، فتنطوي في مجاله وتمشي في اثاره ! ! . وقد التفّ بمحمد صلى اللّه عليه وسلم فريق من الربانيين الأتقياء ، كانوا له تلاميذ مخلصين ، فزكت - بصحبته - نفوسهم ، وشفّت طباعهم ، حتى أشرق عليها من أنوار الإلهام ما جعلها تنطق بالحكمة وفصل الخطاب . ولا تحسبنّ العقل الجبار - مهما أوتي من نفاذ - يستطيع إدراك الكمال بقوته الخاصة ، فإذا لم تسدده عناية عليا ، فإنه سيجوب كلّ أفق دون أن يبصر غاية ، أو يهتدي طريقا ، كالطيار الذي يضل في الجو عندما يتكاثر أمام عينيه الضباب . إنه يحكم القيادة ، ويضبط الآلات ، ويرسل أنوار مصابيحه في أحشاء الغيوم المتراكمة ، فإذا لم يتلق إرشادا يحدد له مكانه وبعده وكيف يهبط . . فإنه سيظلّ يحلّق عبثا ، ثم تهوي به الريح في مكان سحيق . وكم من فلاسفة عالجوا شؤون الكون والحياة ، فمنهم من ضلّ عن الحق على طول بحثه عنه ، فلم يصل إليه قط ، ومنهم من استغرق في الوصول إليه أعواما طوالا ، ولو مشى وراء الرسل لانتهى إليه في أيام قصار ، وهو في مأمن من الشرود والعثار ! .